حسن بن عبد الله السيرافي

231

شرح كتاب سيبويه

والوجه الآخر معناه : ما تأتيني أبدا إلا لم تحدثني ، أي منك إتيان كثير ولا حديث منك ؛ فالإتيان المنفي هو الإتيان الذي معه الحديث ؛ فهذان الوجهان المقصودان في النصب هما منعا عطف ( تحدثني ) على ( تأتيني ) في الرفع لأنه إذا قال : لا تأتيني فتحدثني بالرفع ، فليس أحدهما شرطا في الآخر ؛ ويكون أحد وجهي الرفع أن تعطف ( تحدثني ) على ( تأتيني ) ، وتكون ( لا ) مشتملة عليهما جميعا في النفي ، فكأنه قال : لا تأتيني ولا تحدثني ؛ فهذا عطف فعل على فعل ، والنفي قد شملهما . والوجه الآخر أن يكون الإتيان منفيا والحديث موجبا ، ويكون عطف جملة على جملة ، كأنه قال : لا تأتيني ثم أنت تحدثني الآن ، وليس تعلق أحدهما بالآخر ، ولا هو شرط فيه ؛ فلما لم يكن عطفه على ظاهر لفظه لئلا يبطل المعنى المقصود ، ردوه في التقدير إلى ما لا يبطل معناه فجعلوا الأول في تقدير مصدر وإن لم يكن لفظه لفظ المصدر الظاهر ؛ وجعلوا الثاني مقدرا بمصدر ليس بظاهر ؛ فلذلك قدرت ( إن ) فعملت ولم تظهر ، وكان التغيير والتقدير والعدول عن الظاهر دلالة على المعنى المقصود ؛ ولو أظهرت ( أن ) لكان المصدر قد ظهر ، ولم يظهر في المعطوف عليه . وجعل التغيير لهما كالمشاكلة بينهما ، واكتفى بذلك . يقوي هذا ما ذكره سيبويه من تقدير ما لا يتكلم به من قولك : أنا في القوم ليس زيدا ، والتقدير : ليس بعضهم زيدا ، ولا يتكلم بهذا ؛ وقوله : ولا نائب على تقدير : ليسوا بمصلحين ، لم يتكلم بذلك . ويقويه أيضا قولهم في الأسماء : إياك والأسد ، ولا يظهر الفعل الذي ينصب ( إياك والأسد ) ؛ وهذا التقدير في إضمار ( أن ) في جميع ما ينصب بجواب ( الفاء ) واحد ، وإن كانت المعاني مختلفة ، واختلافها أن جواب النفي على وجهين مختلفين ، والنصب فيهما بإضمار ( أن ) ، وتقدير مصدر للأول يعطف عليه مصدر للثاني . وجواب الاستفهام والأمر والنهي والتمني على غير المعنى في وجهي النصب في جواب الجحد ، لأن قولك : لا تأتيني فأحدثك على معنى : ما تأتيني فكيف تحدثني ، أو على معنى : ما لم تأتيني إلا لم تحدثني ؛ وهذان المعنيان ليسا في جواب الاستفهام إذا قلت : هل عندك طعام فآكله ، ولا في الجواب الأمر إذا قلت : ائتني فأكرمك ؛ واتفاق العامل في ذلك مع اختلاف المعاني كقولك : يعلم اللّه ، ويذهب زيد ، لأن قولنا : ( يعلم اللّه ) ليس بفعل للّه لأن اللّه - عز وجل - لم يزل عالما ، ( يذهب زيد ) فعل له ، فالمعنيان مختلفان ، والرفع بهما واحد .